الشنقيطي
178
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فكان كل ذلك منه شكرا للّه تعالى ، ورفعا لدرجاته صلى اللّه عليه وسلم . وقد جاء : « نعم العبد صهيب ، لو لم يخف اللّه لم يعصه » ، وهو حسنة من حسناته صلى اللّه عليه وسلم . أو أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يعتد على نفسه بالتقصير ، ويعتبر ذنبا يستثقله ويستغفر منه ، كما كان إذا خرج من الخلاء قال : « غفرانك » . ومعلوم أنه ليس من موجب للاستغفار ، إلا ما قيل شعوره بترك الذكر في تلك الحالة ، استوجب منه ذلك . وقد استحسن العلماء قول الجنيد : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أو أن المراد مثل ما جاء في القرآن من بعض اجتهاداته صلى اللّه عليه وسلم ، وفي سبيل الدعوة ، فيرد اجتهاده فيعظم عليه كقصة ابن أم مكتوم ، وعوتب فيه عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) [ عبس : 1 - 2 ] ، الآية ، ونظيرها ولو كان بعد نزول هذه السورة ، إلا أنه من باب واحد كقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، وقصة أسارى بدر ، وقوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] ، واجتهاده في إيمان عمه ، حتى قيل له : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] ، ونحو ذلك . فتحمل الآية عليه ، أو أن للوزر بمعناه اللغوي ، وهو ما كان يثقله من أعباء الدعوة ، وتبليغ الرسالة ، كما ذكر ابن كثير في سورة الإسراء عن الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت ، وعرفت أن الناس مكذّبي ، فقعدت معتزلا حزينا ، فمرّ بي أبو جهل ، فجاء حتى جلس إليه ، فقال له كالمستهزىء : هل كان من شيء ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نعم ، وقصّ عليه الإسراء » . ففيه التصريح بأنه صلى اللّه عليه وسلم فظع ، والفظاعة : ثقل وحزن ، والحزن : ثقل . وتوقع تكذيبهم إياه أثقل على النفس من كل شيء . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ، أي ثقله مشعر بأن للذنب ثقلا على المؤمن ينوء به ، ولا يخففه إلا التوبة وحطه عنده . وقوله : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ، لم يبين هنا بم ولا كيف رفع له ذكره ، والرفع يكون حسيا ويكون معنويا ، فاختلف في المراد به أيضا .